تطلعات إسرائيلية في الانتخابات اللبنانية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مما لا ريب فيه أن حزب الله حالة فريدة من نوعها في منطقتنا على أقل تقدير، إن لم نقل في العالم. حالة دفعت أصدقاء الحزب بشكل عام وأعداءه بشكل خاص، لمحاولات متنوعة بأساليبها لتفكيك شيفرة حزب الله بهدف فهمه، بل تعدّت تحليلات أعدائه الحزبَ كتنظيم وراحت تصب في محيطه لفهم أيديولوجيا بيئته التي تخرّج منها هذا النوع من المقاتلين وهذا النوع من القادة، وحلفاءه الخارجيين لفهم الارتباط بينه وبينهم وتفتيت تلك العلاقات وتفتيت تلك الأنظمة التي تقف عائقًا وسدًّا منيعًا في وجه مشاريعهم الاستعمارية، وحلفاءه الداخليين لتفكيك هذه التحالفات وعزله سياسيًا.

ولا يخفى على عاقل أنّ حزب الله يُواجَه اليوم، بعد الفشل في القضاء عليه عسكريًا واقتصاديًا، بحروب من نوع آخر، كحروب التأثير على إدراك ووعي بيئته وجمهوره، وهذا وجه من أوجه استخدام “القوة الناعمة” في الحروب الصامتة حيث لا صواريخ ولا دمار، لا قتلى ولا صراخ.

لهذا النوع من الحروب، شهداء من نوع آخر، يسقط الشهيد في الحرب الناعمة عندما يصاب الفرد بفكرة العدو فتستقر في رأسه، عندما يتعرض الجمع لقصف إعلامي مركّز على ما تمّ تعميده بالدم وتثبيت ركائزه على تسكين آلام الأمهات والأيتام والثأر بالنصر، ثم يتم البناء على أنقاض الآلام بمواد من صنع العدو، عندما تنفجر عبوة التضليل على طريق الحرية فتتهشّم الروحية ويستجدي الجريح يد المعونة لحياة ذليلة على أعتاب قاتله.

يقول المفكّر جوزيف ناي في كتابه “القوّة الناعمة”: إن أفضل الناطقين باسم الأفكار والأهداف الأميركية هم غير الأميركيين، أي الوكلاء المحليون، وأقوى أدوات القوّة الناعمة هي وسائل الإعلام وكل ما تقدّمه من مسلسلات وأفلام وبرامج ترفيهية.

هي ببساطة استخدام للإعلام كوسيلة حرب عوضًا عن الأسلحة التقليدية واعتماد على العملاء المحليين للسيطرة بدل الغزو بالجيوش، واحتلال النفوس والأرواح والعقول بدل احتلال الأراضي.

تمثل الانتخابات البرلمانية اللبنانية اليوم ميدانًا تتصارع فيه الأطراف السياسية، وهذا هو الحال الطبيعي في بلد تكون فيه الحياة السياسية واقعية، لا في بلد تتحاصصه دول خارجية لكل دولة منها تبعية طائفية أو وكلاء ينفذون أجندتها في هذه البقعة الجغرافية من الإقليم.

وبطبيعة الحال، بعد ما آلت إليه الأمور والأحداث في العقدين الأخيرين، من انسحاب إسرائيلي من لبنان وهزيمة أخرى في تموز، وتطبيع وتحالفات عربية إسرائيلية، وفشل مشروع إسقاط النظام السوري، وهزيمة المشروع الوهابي في العراق والشام، وتعاظم قوة محور المقاومة وفي طليعته حزب الله الذي يمثل رأس حربة المحور في وجه مشروع اسرائيل الكبرى، وغيرها من الأحداث التي يرى الأميركيون والإسرائيليون أنها تميل بكفة ميزان القوى لصالح المحور المعادي لهم، دفعت بهم إلى استخدام القوة الناعمة تلك.

ليس سهلًا أن تقوم بتحويل الرجل الذي قهر الجيش الذي لا يُقهر، في أذهان اللبنانيين، بل وحتى الشعوب العربية، إلى زعيم طائفي يقهر أبناء بلده بقوة السلاح، أي سلاح؟ السلاح الذي وُجد لمحاربة “اسرائيل”.

ليس سهلًا أن تقنع شريحة واسعة من اللبنانيين بضرورة نزع سلاح حزب الله -يعني طالبوا بنزع السلاح الذي سيمنعنا من احتلال بلدكم- لأنه خطر على وجودهم بينما هو خطر على “اسرائيل”.

ليس سهلًا أن تزرع فكرة اضطهاد أهل السنة والجماعة على يد الحزب الشيعي وتجد لها رواجًا في أغلب المناطق السنية التي استقبلت لاجئين شيعة في حرب تموز.

ليس سهلًا أن تقوم بربط الوضع المعيشي بـ”زمن الانتصارات” مشيرًا إلى أن أي انتصار هذا الذي نعيش فيه ويلات الفقر والذل والطوابير؟ لاعبًا على وتر تحميل الحزب المسؤولية، في بلد تُدرُّ فيه الأرزاق وتُقطع من الحنفية الخليجية بأوامر أميركية.

ليس سهلًا أن تشيع فكرة أن الحزب يحمي الفساد في بلد تقاسمه زعماء الطوائف والأحزاب في حين لم ينفض حزب الله غبار الحروب عن جسده بعد.

ليس من السهل أيضًا أن تأتي بأفكار مبتكرة وجديدة تدخل بها على بيئة حزب الله الداخلية فتجد لها صدى عند بعض المقربين منه أو حتى في بعض جمهوره، كأن تُصوّر الحزب سببًا لسوء الأوضاع المعيشية في لبنان، سببًا في تهجير الشباب اللبناني، إن لم يجد ابنك وظيفة مرضية فهذا يعود إلى اللعنة التي حلّت على لبنان بسبب حزب الله.

ليس سهلًا أن تدخل إلى بيوت أبناء هذه البيئة بأفكار شيطانية بحلّة ملائكية وعناوين تحرريّة تدعو فيها إلى محاربة الحجاب والتخلي عن العقيدة. بل أن تأتي بانتحاري فكري يدعو إلى سلخ الحسين عن الشيعة بكل صراحة هو إنجاز نوعي في معركة الحرب الناعمة هذه، ولو أنه بات سخرية وفاصلًا كوميديًا لكن هذا الشخص وُجِد.

هذا فضلًا عن أمور وأفكار أخرى بعناوين تغييرية لبناء دولة أفضل تحفظ حقوق المواطنين لا حدود لوقاحة مطلقيها.

ليست نظرية مؤامرة، بل هذا واقع إذا كنت موضوعيًّا ستراه. كم من حملة انتخابية هدفها التأثير على العدو الأول لـ”إسرائيل”؟ كم من صوت ينادي بما فيه مصلحة في المستقبل لـ”إسرائيل”؟

يتحدث الإعلام الإسرائيلي في الآونة الأخيرة أنه يجب على “إسرائيل” أن تستيقظ وأن تفهم أن هناك أدوات عمل أخرى يمكن استخدامها لتحقيق أهدافها بضرب أعدائها واضعافهم غير سلاح الجو والدبابات، بل أكثر تطورًا للاستخدام خلف الكواليس وذلك للتأثير في نتائج الانتخابات النيابية في لبنان.

لطالما كانت الانتخابات النيابية اللبنانية محط اهتمام القوى الداخلية والخارجية، إلا أن اللافت في انتخابات أيار الجاري هو اهتمام العدو الإسرائيلي بها، فهي موعد قطف ثمار جهود سنوات من العمل على تأليب المجتمع اللبناني على حزب الله وحلفائه، موسم حصاد العدد الأكبر من ضحايا الحرب الناعمة. وهذا يبدو جليًا بعد أن أعدّ المحلل والخبير في الشؤون العربية في «القناة 13» العبرية إيهود يعاري، تقريرًا تحت عنوان: “هزيمة حزب الله في صناديق الاقتراع”.

ويهتم إيهود يعاري بالإشارة إلى أن هناك مرشحين شيعة “سيعملون على منافسة قوائم حزب الله وحركة أمل بشكل مستقل”، وأنّ هناك عدّة طرق لمحاولة التأثير في نتائج التصويت في الانتخابات النيابية اللبنانية، وذلك بالعمل مع الأميركيين والفرنسيين ودول الخليج من خلال المساعدات المالية والمهنية للحملات الانتخابية، والدخول كوسيط صامت لمساعدة السياسيين الذي يجدون صعوبة في تشكيل لوائح انتخابية مشتركة، وكذلك خلق أجواء مناسبة، موضحًا أنّ “كل تلك الأمور يمكن أن تؤدي بمعارضي حزب الله إلى تحقيق نجاحات”.

في النهاية، أنت إذا كنت من مناصري الحزب أو حلفائه ستبقى دائمًا ضحية في ظل وجود “اسرائيل” على حدودك إلى حين انكفائك عنهم أو الانقلاب عليهم، وإذا كنت من خصوم الحزب وحلفائه ستبقى دائمًا وسيلة عن قصد -مثل ما أوردته التحقيقات في ملفات العملاء الأخيرة- أو عن غير قصد لعزل الحزب وتفتيته فيرضى الغرب وتهنأ “اسرائيل” وهذا ما لن يحصل حتمًا.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.